محمد أبو زهرة

4539

زهرة التفاسير

يكونون تكليفا ، وقد يكون مرهقا . وإن أمور العقلاء تجرى على سنة المنفعة ، فما يكون أكثر منفعة وأبقى يطلبه العقلاء ، وما يكون أقل نفعا ، ولا يبقى ينفر منه العقلاء ، ولا يقبلون عليه ؛ ولذلك بين اللّه تعالى أن زينة الدنيا وخيراتها غير باقية ، إنما الباقيات الصالحات في الآخرة هي الأكثر فائدة وأملا ، فقال تعالى : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا الباقيات وصف لموصوف محذوف ، أي والأعمال التي تبقى ، ولا تفنى سريعا ، وهي صالحة في ذاتها عامرة لما بين العبد وربه أولا ، وبينه وبين الناس ويباركها الرب ثانيا ، سواء أكانت من شأنها أن تكون ذات أثر باق في الدنيا ، من عمل طيب يبقى أثره بعد الموت ، أم كان يرجى خيره في الآخرة ، وفي الجملة الأعمال التي تكون كثيرة النفع في ذاتها ويبقى أثرها بعدها ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فكل ما يحرثه العبد للآخرة يكون باقيا ، يقول علىّ كرم اللّه وجهه : « الحرث حرثان حرث الدنيا المال والبنون ، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات ، وقد يجمعهن اللّه تعالى لأقوام ، وقد حكم سبحانه بأن وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ، أي خير فائدة وعائدة وعاقبة ، وتفتح باب الأمل لخير عميم ، ونعيم مقيم ، وجنة خالدين فيها ، وكرر كلمة خَيْرٌ ، لاختلاف نوعهما ، فالأول عاجل في الدنيا ، والثاني أمل ورجاء في الآخرة ، وقد ذكر اللّه تعالى الآخرة ، ومقدمات البعث والقيامة فقال عزّ من قائل : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) . ويوم نسير الجبال ، أي نحركها من أماكنها ، ونسيرها كما نسير السحاب ، كما قال تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ . . . ( 88 ) [ النمل ] ، و يَوْمَ متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر يوم نسيّر الجبال ، أي يوم البعث إذ تتغير الدنيا ، والأرض والسماوات ، وقد خطر بخاطرى أن نُسَيِّرُ متعلق ب خَيْرٌ محذوفة دلت عليها الآية قبلها ، أي الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخيرا أملا ، وخير يوم نسير الجبال ، وترى الأرض .